الباسبور الألماني.. جواز مرور المهاجرين لأوطانهم

أهم بنود مسودة قانون الجنسية الألماني الجديد

المستشار الألماني: ألمانيا.. أرض الأمل للمهاجرين

الحزب الليبرالي الحر: الوقت الآن غير مناسب لتسهيل إجراءات المواطنة

وزيرة الداخلية: على المعترضين على القانون أن يصلوا إلى القرن الحادي والعشرين

الاتحاد الاجتماعي المسيحي: القانون يحبط خطة اندماج المهاجرين

رئيسة وكالة التوظيف الفيدرالية: لا يمكن لألمانيا تدبير أمورها سوى بهجرة كبيرة

كتب: راجي الأمير

يرغب بعض المهاجرين في الحصول على جواز السفر الألماني ليتمتعوا بكامل حقوق المواطنة مثلهم مثل الألمان، ويرغب آخرون في حمله كي يتجولوا بحرية، لكن المهاجرين العرب عموما واللجئين منهم على وجه الخصوص يرغبون في الحصول على جواز السفر الألماني ليتمكنوا من العودة إلى أوطانهم.. زيارة الأهل.. وشم هواء الوطن الأم، يرغبون فيه ليحميهم من ديارهم ويمنع عنهم بطش من يتولون الأمر.

جواز السفر الألماني بالنسبة للاجيء العربي ليس مجرد بحث عن حماية بجنسية جديدة، لكنه حنين إلى الوطن الذي لا ضمان لعودتهم إليه إلا بحملهم لجواز سفر أجنبي.. قوي.

ما إن تطأ قدم المهاجر أرض ألمانيا، حتى يحلم باليوم الذي سيحمل فيه جواز المرور الأحمر (الباسبور الألماني)، ممنيا نفسه باقتناص فرصة مؤجلة في حياة كريمة عادلة رفض وطنه أن يمنحه اياها.

يجاهد كل مهاجر لألمانيا، سواء كان لاجئا أو طالب لجوء أو دارسا أو حتى من جاء للعمل بعقد مؤقت، للحصول على الجنسية الألمانية.. يعرف الجميع صعوبة الأمر، لكنهم يعلمون أنه ليس مستحيلا، وأن رحلة الشقاء ستكلل قطعا -طالت أو قصرت- بجواز سفر احتل المرتبة الأولى في ترتيب الجوازات الأكثر قوة وفعالية عالميا وفقًا لتصنيف Henley Passport Index للعام ٢٠٢١، والذي يستند على عدد الدول -١٩٠ دولة- التي يمكن لحاملي الجواز الألماني دخولها دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة.

قانون الجنسية الألمانية الجديد الذي أرسلت وزارة الداخلية الألمانية مسودته في يناير الماضي إلى الوزارات الأخرى للاطلاع والتنسيق، فتح باب أمل جديد أمام كل مهاجر، في اقتراب تحقيق حلم الجنسية وتقليص فترات الانتظار وتخفيف الشروط، وجعل ما يقرب من خمسة ملايين شخص يعيشون في ألمانيا دون جواز سفر ألماني منذ أكثر من عشر سنوات وفقا لأرقام “المجلس الاستشاري للاندماج والهجرة، في حالة ترقب.

قانون الجنسية الجديد، الذي قدمت مشروعه وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر ووافقت حكومة أولاف شولتس الحالية على صياغة بنوده الجديدة في 2021، حمل متغيرات أهمها على الإطلاق، إمكانية حصول المهاجرين على الجنسية الألمانية بعد خمس سنوات إقامة في المانيا بدلا من ثمان سنوات وفقا للقانون الحالي. ليس هذا فحسب، بل يمكن أيضا أن يتقدم المهاجر لطلب الجنسية بعد ثلاث سنوات فقط، في حال أثبت أنه أحرز تقدما في الاندماج من خلال تعلم اللغة والتعليم والعمل سواء العمل براتب أو العمل التطوعي.

أما أطفال المهاجرين، فإن مسودة القانون الجديد قد أنصفتهم تماما، وكان لهم الحظ الأوفر ضمن بنوده، فيما يمكن أن نقول إن القانون الجديد اعتبرهم أطفال ألمانيا، فقد جاء في التعديلات المقترحة: “يحصل الأطفال الذين ولدوا في ألمانيا على الجنسية بشكل تلقائي إذا كان أحد الوالدين على الأقل يعيش في ألمانيا بشكل قانوني لمدة خمس سنوات أو أكثر”

ورغم مميزات الجنسية الألمانية إلا أن كثيرين ممن حققوا كل شروط الحصول عليها، يرفضون التقدم لها رفضا قاطعا، وذلك بسبب رفضهم المطلق التخلي عن جنسياتهم الأصلية، فقانون الجنسية الحالي يمنع ازدواج الجنسية إلا باستثناءات قليلة، ولذلك فإن على أي شخص يتقدم للحصول على الجنسية الألمانية التخلي عن جنسيته الأساسية، أما القانون الجديد فقد سهل الأمر، ورفع عن كاهل المهاجرين مشقة التخلي عن آخر ما يربطهم وجدانيا بأوطانهم “جنسيتهم الأولى”، وذلك بإلغاء شرط التخلي عن جنسية البلد الأصلي للمهاجر والسماح له بحمل جنسيتين.

وفيما يخص شروط الاندماج والتي ينص قانون الجنسية الحالي على حصول المهاجر على مستوى B1 على الأقل وإنهاء كورس الإندماج كشرط للتقدم للجنسية، الأمر الذي كان مرهقا للمهاجرين الذين تخطوا الستين عاما، فقد تم تسهيلها في مسودة القانون الجديد.

التجنيس للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 67 عاما، ليصبح اختبار التجنيس واللغة شفهيا فقط.

بالطبع استقبل المهاجرون القانون الجديد بالترحيب والفرحة، خصوصا الأتراك، الذين لا يسمح لهم القانون بازدواج الجنسية، مما اضطر كثير منهم للتخلي عن جنسيتهم الأصلية، أو عدم التقدم للجنسية الألمانية من الأساس، رغم أن كثير منهم يعيشون ويعملون في ألمانيا منذ ما يقرب من النصف قرن، وقد ظهر هذا جليا في تصريحات رئيس الجالية التركية ، جوكاي سوفو أوغلو، تعليقا على مسودة القانون، والتي رحب فيها بالقانون الجديد واصفا إيه بأنه نقلة نوعية، وموضحا أن قانون الجنسية الألماني الحالي لم يعد يعكس واقعنا، وأن الأمر كان يحتاج لتحقيق مستوى معين من المساواة وبالتالي توسيع قاعدة المشاركة السياسية.

بكلمات مؤثرة شدد المستشار الألماني أولاف شولتس على تأييده لقانون الجنسية الجديد في كلمة عبر فيديو نشر في 26 نوفمبر الماضي، دعا خلالها لتسهيل إجراءات الحصول على الجنسية الألمانية كون ألمانيا أرضا للأمل للمهاجرين إليها، مؤكدا أن المهاجرين الذين قدموا إلى ألمانيا في العقود الماضية رجالا ونساء وأطفالا قد ساهموا بشكل كبير في جعل الاقتصاد الألماني قويا، وعلى حد قوله: كل هؤلاء الرجال والنساء الرائعين العظماء بحاجة إلى أنظمة أفضل لتجنيسهم

أما وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر المنتمية للحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD، فقد أكدت في تصريحات سابقة إن تسهيل إجراءات التجنيس بالنسبة لها بمثابة تحقيق العدالة، خصوصا تجنيس الأشخاص الذين ينتمون إلى جيل العمال الوافدين، موضحة أن تسهيل إجراءات التجنيس من شأنه اجتذاب العمالة والنهوض بالاقتصاد في مواجهة نقص المهارات الذي يلقي بثقله على اقتصاد الدولة، خصوصا مع الضغط الشديد على نظم المعاشات في ظل زيادة أعمار السكان.

ومن جهة أخرى، واجه القانون كحال أي مشروع قانون جديد رفض الكثير من الكيانات والأحزاب والأفراد البارزين في الحياة السياسية الألمانية.

أبرز الكيانات المعارضة للقانون الجديد الحزب المسيحي الديمقراطي CDU، بحجة إن القانون الجديد يشجع على الهجرة غير الشرعية.

أما ألكسندر دوبريندت زعيم المجموعة الإقليمية في الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU، فقد اعترض، بحجة إن تسهيل شروط التجنيس في القانون الجديد ومنح الجنسية للمهاجرين بلا مبالاة، من شأنه أن يحبط خطة اندماج المهاجرين، معربا عن رفضه للقانون.

“بالنسبة إلى الليبرالي الحر لن يكون هناك أي تخفيض لشروط الجنسية الألمانية”، بهذه الكلمات القاطعة، صرح بيجان دجير سراي الأمين العام للحزب الليبرالي الحر FDP أصغر حزب في ائتلاف “إشارة المرور”، معربا عن رفضه التام للقانون، مؤكدا إن الوقت الآن غير مناسب لتسهيل إجراءات المواطنة، خصوصا في ظل عدم تحقق أي تقدم في ترحيل وافدين لا يستحقون اللجوء، ومكافحة الهجرة غير الشرعية.

وعلى نفس الجانب واستنادا إلى عدم التزام الحكومة الائتلافية بتطبيق شرط الحد من الهجرة غير الشرعية وترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، لكن بأسلوب أكثر ذكاءا، أكد كريستيان ليندنر، زعيم الحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) FDP وبقدرته المعروفة على المناورة، أن أي شخص يعمل بجدية ويندمج جيدا في المجتمع الألماني من حقه الحصول على المواطنة، وأردف في تصريحات سابقة: أما الأشخاص الذين لا يريدون الاندماج فيجب أن يغادروا البلاد، مضيفا أن ألمانيا يجب أن تصبح دولة هجرة حديثة، لكن عبر توجيه الهجرة إلى سوق العمل، وليس إلى أنظمة الضمان الاجتماعي. في إشارة إلى المهاجرين الذين يحصلون على مساعدات اجتماعية وفي تعميم مخل وتناسي لدور العمالة المهاجرة في النهوض بالاقتصاد الألماني.

من جانبها رفضت فيليز بولات المتحدثة باسم سياسة الهجرة عن حزب الخضر وعضو البرلمان موقف الحزب الليبرالي الحر أصغر شركاء الائتلاف الحاكم “إشارة المرور”، وأكدت بوضوح إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال خلق رابط بين موضوعي الهجرة وترحيل طالبي اللجوء المرفوضين كما يفعل الليبرالي الحر.

بعد استعراض بنود وردود الفعل على قانون الجنسية الجديد، نجد أنه من غير المنطقي أن يرفض سياسيون ذوي خبرة، ومن المفترض أنهم يعرفون جيدا طبيعة البلد الذي يتحكمون في سياساته وقوانينه، قانونا يسمح بتسهيل حياة المهاجرين، وتوطينهم في بلد صرحت فيه رئيسة وكالة التوظيف الفيدرالية أندريا ناليس بأن ألمانيا بحاجة إلى 400 ألف عامل كل عام، وأن التغيير الديموجرافي في البلاد لا يمنحنا سيناريو يمكننا من خلاله تدبير أمورنا، دون هجرة كبيرة.

ولا يوجد رد أنسب على هؤلاء السياسيين العالقين في عصور سحيقة، سوى كلمة وزيرة الداخلية الألمانية الساخرة من المعترضين على القانون تحت ذريعة الخوف من الهجرة غير الشرعية وغيرها من الحجج، وفي إشارة إلى تحجرهم وتخلفهم عن متطلبات الحياة الحالية في ألمانيا وفي العالم، عندما قالت: عليهم أن يصلوا في النهاية إلى القرن الحادي والعشرين“.

الغريب، ووفقا لإحصائية صادرة من مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني، فإن أكثر من ربع الألمان منحدرون من أصول أجنبية مهاجرة لأحد والدين على الأقل من أصول أجنبية ولا يحمل الجنسية الألمانية عند الميلاد.

المجتمع الألماني إذا قائم على الهجرة والمهاجرين، فلماذا يستكثر معارضو قانون الجنسية الجديد على المهاجرين أحلامهم في الحصول على الباسبور الأحمر؟

Scroll to Top