اليوجند آمت.. وحش يطارد المهاجرين

الأمر ليس مجرد ألم عابر من ضمن آلام المهاجرين العرب التي يحملونها على ظهورهم في غربة اختيارية أو قسرية، بل هو هاجس مخيف يقض مضاجعهم ليلا ويؤرقهم نهارا.

في جروبات المهاجرين العرب على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي كثيرة ومتنوعة، لن يمر يوم، بل لن تمر لحظة لن تجد فيها مشاركة من أم أو أب حول “اليوجند آمت” (مكتب رعاية الشباب والأطفال في ألمانيا).. يتحدثون عنه وكأنه عدو غاشم لاهم له سوى سلبهم أطفالهم، يعتقد أغلبهم أن هناك مؤامرة من الدولة الألمانية لخطف أبنائهم وتنشئتهم على قيم بعيدة كل البعد عن قيمهم الدينية والأخلاقية.

فضل كثيرون العودة إلى بلدانهم متحملين قسوة الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أوطان هربوا منها، عن العيش تحت تهديد اليوجند آمت.

يخاف الناس ويخيفون بعضهم البعض من وحش يخشون هجومه عليهم في كل لحظة، بينما الأمر أبسط من كل هذا الرعب.

وفقا لإحصائية صادرة عن المركز الفيدرالي للإحصاء (Destatis) في عام 2020 فإن عدد الأطفال الذين تم وضعهم تحت الرعاية لحمايتهم في ألمانيا بلغ حوالي 84.700 طفل، وكان اللاجئون القصر ضمن أكبر الفئات التي تم وضعها تحت الرعاية في البلاد.، ووفقا للأرقام المتاحة حتى نهاية عام 2019، فإن عدد الأطفال والشباب الذين يعيشون في أسر بديلة في ألمانيا يقارب 85.000 طفل، وتشير الإحصاءات أيضا إلى أن عدد الأطفال الذين يتم إيوائهم في أسر بديلة قد تزايد بشكل طفيف على مدى السنوات العشر الماضية، حيث كان العدد حوالي 70.000 في عام 2010.

الأعداد بالنسبة لعدد المهاجرين ليست ضخمة كما نرى، ومن بين الأعداد نسبة لا بأس بها من أطفال لأبوين ألمانيين.

يحتاج المهاجرون أن يعرفوا أولا أن مكتب رعاية الشباب والأطفال لا يحاربهم، وأنه موجود لحماية كل طفل يعيش على الأراضي الألمانية من أبناء المهاجرين ومن أبناء الألمان أيضا، فالعديد من الأطفال من لأبوين ألمانيين تم سحبهم في الأغلب بسبب إدمان أحد الوالدين أو الإهمال.

وفقا للمادة 1631 من القانون المدني الألمان “(١) تشمل الحضانة الشخصية على وجه الخصوص الالتزام والحق في رعاية الطفل وتربيته والإشراف عليه وتحديد مكان وجوده.

(2) للطفل الحق في الرعاية والتعليم مع استبعاد العنف والعقاب البدني والإصابات العقلية وغيرها من التدابير المهينة.

(3) على محكمة الأسرة ، عند تقديم الطلب ، دعم الوالدين في ممارسة الحضانة في القضايا المناسبة”، وبالتالي فمن حق مكتب الرعاية الاجتماعية للشباب والأطفال التدخل في حال تعرض الطفل لأي عقوبة مؤذية أو تهديد أو تعنيف، بالتحقيق أولا، ثم اقتراح الحلول وتقديم مساعدات واستشارات نفسية وتربوية للوالدين للمساهمة في حل مشاكل الطفل وتأهيل الوالدين لتربيته في مراكز بها استشاريون يتحدثون بأكثر من لغة، وفي النهاية إذا ما فشل الأمر، يتم سحب الطفل ووضعه بشكل مؤقت في دور الرعاية أو منحه لأسرة بديلة Pflegefamilie بشكل مؤقت أو دائم وبعد أحكام قضائية.

إذن فإن الهدف الأساسي لمكتب الرعاية الاجتماعية للشباب والأطفال هو الحفاظ على رفاهية الطفل وصحته النفسية والجسدية، كما أن سحب الطفل من أسرته يأتي في مرحلة متقدمة جدا وأخيرة وبعد العديد من المحاولات، ولأسباب شديدة الوجاهة.

لإنهاء حالة الرعب المسيطرة على كثير من المهاجرين، من الأفضل لهم أن يعرفوا أسباب سحب الطفل من أسرته من قبل اليوجند آمت.

السبب الرئيسي والأهم العنف الجسدي والنفسي، فاليوجند آمت لن يسحب منك طفلك لأنك تحثه على الصلاة، لكنه سيسحبه منك إذ ما عنفته جسديا ليصلي، وإذا أهنته لأنه لم يصل، وإذا أجبرته على الصيام وهو بعد طفل لا يطيق، لن يمنعك من نصيحة ابنتك بارتداء الحجاب، لكنه قطعا سيتدخل إذا ما عنفتها لارتدائه.

والأهم ان المكتب يتدخل في حال تعرض الطفل للتحرش أو الاستغلال الجنسي من أحد أفراد أسرته.

كما إن مكتب الرعاية الاجتماعية للشباب والأطفال يرى أن بيتا يهين فيه الزوج زوجنه أو يعنفها، هو بيت غير صالح لتربية طفل، وبالتالي يعد تعنيف الزوج لزوجته والعكس، بيئة غير آمنة لتنشئة طفل، ومن الذي يرى غير ذلك؟!

كما أن إهمال نظافة الطفل الشخصية ونظافة المنزل، وبالتالي صحة الطفل، تعد سببا رئيسا من أسباب سحب الطفل من أسرته، في حالات كثيرة لفترة مؤقتة لحين تأهيل الوالدين.

ما الذي يخيف المهاجرين إذن من وجود مكتب كهذا يحمي الطفل ويحافظ على كرامته ورفاهيته وطفولته، إذا ما تمت الإساءة له؟

لكن من جهة أخرى، لمخاوف المهاجرين أسباب وجيهة، فمكتب الرعاية الاجتماعية للشباب والأطفال، يتدخل غالبا نتيجة لشكوى من جهة ما كالمدرسة، أو بلاغ من الجيران أو شكوى من الطفل نفسه، المدرسة قد تبلغ إذا شعرت بأن الطفل لديه سلوك عدواني مع زملائه أو تبدو عليه ملامح الإهمال في نظافته الشخصية، والجيران قد يبلغون إذا لاحظوا أو سمعوا تعنيفا للطفل أو عراكا دائما في المنزل الموجود به الطفل، والطفل نفسه قد يتصل بمكتب الرعاية الاجتماعية طلبا للمساعدة. كل هذا يعد عبئا يقلق الأسر، وحدث كثيرا أن تم تقديم بلاغات كيدية.

لكن وبالرغم من أن اليوجند آمت يتعامل مع كل البلاغات والشكاوى بجدية ويحقق فيها ويجري زيارات منزلية، فإن الأمر لن يصل إلى سحب الطفل إلا بعد إجراءات طويلة شديدة التعقيد تبدأ بالبحث عن حلول لأزمة الطفل وقد تنتهي براحة الطفل وتطمين العائلة، ولن تنتهي بسحب الطفل إلا بعد استنفاذ كل الحلول.

الأب والأم ليسوا أربابا وآلهة غير قابلة للمراقبة والمحاسبة، والطفل ليس ملكية شخصية لوالديه.

من حق المهاجرين أن يخشون على أطفالهم، وينشئونهم على ثقافتهم ودينهم وأخلاقهم، لكن من غير المسموح لهم في ألمانيا، أن يعنفونهم بحجة التربية، وأن يجبرونهم على ما لا يطيقون بحجة التدين، فضرب طفل وتعنيفه وإهانته، أمور لا يقرها أي دين ولا تتوافق مع أي أخلاق وأي ثقافة.

راجي الأمير

Scroll to Top