ببصمة إصبع.. تحطم أحلام اللاجئين على أعتاب دبلن

بسبب دبلن.. طالبو اللجوء على كف عفريت بوليس الترحيل

“اللجوء الكنسي”.. عائق يمنع الترحيل ويزيل البصمة السوداء

نجاح محاولة واحدة فقط بين كل ثلاث محاولات لترحيل طالبي اللجوء في ألمانيا

الحالات التي تم فيها تعليق العمل باتفاقية دبلن

 

كتب: راجي الأمير

Ragi Alamier

تبدأ أحلام الفارين من أوطانهم بحرا أو برا أو جوا في التبلور فور أن يتنسمون هواء أوروبا عبر أي بوابة يعبرون منها.. تكبر الأحلام بقرب الوصول إلى البلد الحلم.. ألمانيا، لكن كل هذا يتحطم ببصمة إصبع عابرة، بصمة تحيل أحلام اللاجئين إلى كوابيس، واسمها هنا بصمة دبلن.

“تم رفض طلب لجوئك بموجب اتفاقية دبلن، ويتوجب عليك مغادرة ألمانيا”، هكذا يأتي الرفض الذي يشعر معه طالب اللجوء بالتهديد وعدم الأمان، فيعيش متخفيا خوفا من الترحيل أو يضطر للاستسلام فيتم ترحيله بالفعل.

تاريخيا، تم توقيع اتفاقية دبلن في العام 1990 بين كل من بلجيكا، الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، اليونان، أيرلندا، إيطاليا، لوكسمبورج، هولندا، البرتغال، إسبانيا وبريطانيا، ودخلت حيز التنفيذ لأول مرة في سبتمبر 1997 وهو العام الذي انضمت فيه النمسا والسويد للاتفاقية، تلتهم فنلندا، كما انضمت كل من النرويج وأيسلندا للاتفاقية.

وفي العام 2003 تم توقيع اتفاقية دبلن الثانية لتحل محل اتفاقية دبلن الأولى في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي باستثناء الدنمارك، التي لديها خيار عدم المشاركة في تنفيذ الاتفاقية في مجال الحرية والأمن والعدالة. وفي العام 2008 انضمت كل من سويسرا، وأخيرا ليختنشتاين إلى الاتفاقية.

في العام 2013 تمت الموافقة على اتفاقية دبلن 3، بناء على اقتراح قدمته المفوضية الأوروبية بإدخال تعديلات على اتفاقية دبلن بهدف إصلاح بعض بنودها، وتنطبق بنود الاتفاقية على جميع الدول الأعضاء باستثناء الدنمارك. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 19 يوليو 2013، بكافة بنودها وعلى رأس تلك البنود:

 “الدولة العضو الأولى التي يتم فيها تخزين بصمات الأصابع أو تقديم طلب اللجوء هي المسؤولة عن طلب اللجوء الخاص بطالب اللجوء”.

وبمباديء أساسها: “منع طالب اللجوء من تقديم طلبات في دول أعضاء متعددة، لتكون الدولة التي يتقدم فيها طالب اللجوء أولا للحصول على اللجوء هي المسؤولة عن قبول أو رفض الطلب، ولا يجوز للطالب إعادة العملية في دولة عضو أخرى”.

تعتمد الاتفاقية على مبدأ أساسي وهو أن طالب اللجوء يجب أن يقدم طلب لجوئه في الدولة الأولى التي يصل إليها في الاتحاد الأوروبي.

وإذا قدم الطالب لجوءا في دولة أخرى ألمانيا كمثال، فإنه يتم إعادته إلى الدولة الأولى التي دخل إليها، وبالتالي تكون هي المسئولة عن معالجة طلب لجوئه.

ما من لاجيء يصل مباشرة إلى ألمانيا، تلك قاعدة يعرفها الجميع، ومن الصعب أن تكون ألمانيا هي وجهته الأولى، لسبب بسيط، أن أغلبية اللاجئين يصلون إلى أوروبا بشكل عام عبر طرق غير شرعية، بحرا عبر اليونان وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا، وبرا عبر المجر وبولندا وروسيا وغيرها من الدول، ولابد أنهم سيقابلون سلطات هذه البلاد، وسيتم أخذ بصمات أصابعهم، بعدها يأتون إلى ألمانيا لتقديم طلبات لجوئهم، وبالتالي تقف اتفاقية دبلن في طريق قبول طلبات لجوئهم، ويكون الرفض والترحيل إلى البلد الثالث الآمن هو ما يحصلون عليه، أيا كانت قضيتهم التي يلجأون بسببها، فأهم بنود اتفاقية دبلن “حق اللجوء يمنح بالبلد الأول الآمن للوصول”.

 

بالنسبة للاتحاد الأوروبي فإن “الدولة الثالثة الآمنة”، هي الدولة التي لن يكون فيها طالب اللجوء معرضا للاضطهاد أو الخطر، وعندما يتم رفض طلب اللجوء وفقا لاتفاقية دبلن، يحق لطالب اللجوء الطعن على قرار الرفض، وتوضيح ما إذا كان البلد الثالث آمنا بالنسبة له أم لا، مقدما أدلته على ذلك، وفي حال رفض الطعن، يمكن لطالب اللجوء الاستئناف، وأخيرا وفي حال رفض الاستئناف، فسيتم تحديد مهلة زمنية لترحيله إلى البلد الثالث.

 

الحيرة التي تتملك كل من يفكر في الوصول إلى ألمانيا لتقديم طلب لجوء، أو كل من وصل بالفعل بعد رحلة شاقة مضنية، واجه خلالها الموت مرات وعاش فيها أخطارا في التنقل بحرا في مراكب غير آمنة،  أو برا عبر غابات قطعها سيرا على الأقدام، إضافة إلى المهربين وتجار البشر ، يمكن تدبر أمرها، إذا ما فهم القادم المتعب الحالم بحياة أفضل اتفاقية دبلن، كي يكلل طلب لجوئه في ألمانيا في النهاية بالقبول، فليس الترحيل بالأمر البسيط، ولا يتم هذا الترحيل إلا بإجراءات طويلة تستغرق شهورا وأحيانا أعواما، وقد يفشل تماما، رغم أنه يزعج طالبي اللجوء ويصيبهم بأرق دائم خوفا من زوار الفجر أو بوليس الترحيل، الذي دائما ما يأتي ليلا للقبض على المطلوب ترحيله.

عندما يتقدم طالب اللجوء بطلبه في ألمانيا، يجري المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء “BAMF” فحصا لطلبه قبل دعوته إلى جلسة الاستماع، لتحديد ما إذا كانت ألمانيا هي المسؤولة عن معالجة طلب لجوئه أم دولة أخرى داخل الاتحاد الأوروبي ضمن الموقعين على اتفاقية دبلن، بصم فيها أو تقدم بطلب لجوء سابق فيها أو حصل على تأشيرتها أو تصريح إقامة فيها، وهنا لن تكون ألمانيا هي المسئولة عن طلب لجوئه وسيتم رفض طلبه ممهورا بكلمة “unzulässig” أو غير مقبول، مع طلب مكتوب بمغادرة طالب اللجوء ألمانيا إلى البلد المسئول عن ملف لجوئه، وإمكانية ترحيله إلى البلد الآمن الثالث، ويطلق المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء على عملية الترحيل مسمى أكثر لطفا وهو النقل “Überstellung”.

لكن هل يغادر طالب اللجوء المرفوض ملفه ألمانيا فورا، أم أن هناك إجراءات طويلة تسبق عملية الترحيل أو النقل؟

الحقيقة أن مرحلة الترحيل ليست فورية، ولا تتم بهذه البساطة، فأولا يجب على ألمانيا أن تتقدم بطلب استحواذ “Übernahmeersuchen” إلى دولة دبلن المسؤولة، في موعد أقصاه شهرين، وفي حال عدم تقديم ألمانيا لطلب الاستحواذ، ستكون ألمانيا مسئولة عن ملف لجوء مقدم الطلب.

الأكثر تعقيدا من ذلك في إجراءات تنفيذ اتفاقية دبلن هو أن الدولة الأخرى العضو في دبلن، قد ترفض طلب الاستحواذ وبالتالي ترفض استعادة طالب اللجوء، وفي هذه الحالة يصبح ملف اللجوء مسئولية ألمانيا، أو أنها قد لا تستجيب من الأساس لطلب الاستحواذ في غضون شهرين، لكن في هذه الحالة سيعتبر عدم الاستجابة موافقة منها على قبول استعادة طالب اللجوء في أراضيها، وبالتالي ستقوم ألمانيا بترحيله في فترة أقصاها ستة أشهر، وإذا ما تم عدم الترحيل خلال هذه المدة، تكون في النهاية ألمانيا مسئولة عن ملف لجوئه، شرط أن يكون الشخص مسجلا في النظام ولديه عنوانا محددا ومعروفا لدى السلطات، وفي حال اختباء الشخص أو عدم تواجده في مكان إقامته المعروف لدى السلطات، يتم تمديد اتفاقية دبلن وتمديد قرار ترحيله مدة 18 شهرا تسقط بعدها اتفاقية دبلن وتصبح ألمانيا مسئولة عن طلب لجوئه.

خلال مدة الأشهر الست هذه، أو حال تمديدها إلى 18 شهرا، يعيش طالب اللجوء قلقا بشكل كبير، وعذابا لا يقره أي قانون من قوانين حقوق الإنسان التي أقرتها نفس الدول الواحد وثلاثين الموقعة على اتفاقية دبلن، فما بين ألم انتظار طالب اللجوء للشرطة لترحيله في أي وقت، ومحاولاته للاختباء عن أعين السلطات الألمانية، ومطاردة الأخيرة له، قد يكون انتظار الموت أسهل من كل ذلك، وفي سبيل التخلص من هذا البصمة السوداء “بصمة دبلن” يبحث البعض عن حلول على رأسها “اللجوء الكنسي”.

بعد استنفاذ طالب اللجوء المرفوض طلبه بسبب اتفاقية دبلن كل إجراءات التقاضي لإلغاء دبلن، ومن ثم الوصول إلى قرار الترحيل، يلجأ البعض إلى طريق اللجوء الكنسي.

الكنيسة لا تغلق بابها أمام اللاجيء المحتمي بها. حيث يتقدم طالب اللجوء إلى إحدى الكنائس، ويمكث فيها فترة تتراوح من ستة أشهر إلى ثمانية عشر شهرا، تقدم خلالها الكنيسة للاجئ مسكنا مناسبا وتأمينا لمستلزمات الأطفال ورعايتهم وتسجيلهم بالمدارس.. لا يحصل اللاجئ في هذه الحالة بالطبع على مساعدات اجتماعية من الدولة، وإنما يعيش على تبرعات للمأكل والملبس والرعاية الصحية.

تنقضي خلال هذه الفترة دبلن وتسقط، وتقوم بعدها الكنيسة من خلال محام بتقديم طلب لجوء جديد لتصبح ألمانيا أخيرا مسئولة عن ملف لجوئه.

وبسبب اتفاقية دبل والتهديد بالترحيل، ووفقا للإحصائيات الفيدرالية المعنية باللجوء الكنسي، فقد تم إحصاء 320 حالة لجوء كنسي في ألمانيا في بداية ديسمبر الماضي، وتشمل هذه الأرقام ما مجموعه 516 شخصا بالغا و115 طفلا، كما تم في نهاية العام الماضي تقديم 37 طلب لجوء كنسي لنحو 63 شخصا في كنائس برلين، وكان من بين المتقدمين نحو 17 طفلا، فيما سجلت براندنبورج نحو 12 طلب لجوء كنسي لنحو 17 شخص من بينهم ثلاثة أطفال، وذلك وفقا لما أعلنته جمعية اللجوء في كنيسة برلين براندنبورج.

 

اللجوء الكنسي إذن أحد أفضل أنواع الحماية لطالب اللجوء المرفوض طلبه وفقا لاتفاقية دبلن. تحترم الدولة الألمانية والسلطات هذا النوع من اللجوء بعد مفاوضات بين راعي الكنيسة والدولة، تجعل من الصعب ترحيل اللاجيء، فالشرطة لن تقتحم كنيسة لترحيل لاجيء إليها بالقوة.

ومن جهة أخرى ووفقا للمكتب الاتحادي للهجرة واللحوء BAMF، فإنه يمنع ترحيل الشخص، ويتم منحه تصريح إقامة في حال كانت هناك أسباب صحية قاهرة تحتم حظر الترحيل، مثلا إذا كان الشخص يعاني من أمراض خطيرة تزداد سوءا وخطرا بسبب الترحيل، وهنا يلجأ بعض محامي طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم إلى محاولة إثبات أن طالب اللجوء يعاني من أمراض نفسية مزمنة تمنع ترحيله، وتنجح هذه الطريقة غالبا في إيقاف قرار الترحيل، بعد تقديم شهادات طبية كأدلة. في حال إثبات المرض تستخدم ألمانيا حق السيادة في اتفاقية دبلن، وتتولى طوعا مسؤولية ملف اللجوء.

أيضا تسقط عملية الترحيل وبالتالي دبلن في حال تم الاعتراف بأحد أفراد العائلة كلاجئين في ألمانيا، وفي حال كان طالب اللجوء طفلا قاصرا دون والديه.

قرارت الترحيل بسبب دبلن، ورغم أنها تحيل حياة طالب اللجوء إلى جحيم، وتجعل استقرره في ألمانيا على كف عفريت الترحيل، إلا أن تنفيذ هذه القرارات، غالبا ما يفشل بسبب الكثير من الطرق القانونية التي يلجأ إليها طالبو اللجوء وبسبب الاختفاء أيضا عن أعين السلطات، وهي الطرق والمسارات التي كثيرا ما تنجح في منع تنفيذ قرارات الترحيل، والدليل على ذلك، ما أكدته البيانات الصادرة من الحكومة الألمانية بأنه من بين كل ثلاث محاولات لترحيل طالبي اللجوء في ألمانيا، تنجح محاولة واحدة فقط، وتفشل محاولتان.

في نهاية العام الماضي ووفقا للسجل المركزي للأجانب، كان هناك 304 آلاف و308 شخصا ملزمين بمغادرة البلاد، حصل منهم 248 ألفا و145 شخصاً على قرار بتعليق ترحيلهم بشكل مؤقت. ووفقا للإحصاءات الأخيرة، تم تنفيذ 12945 عملية ترحيل في العام الماضي بنجاح، بينما فشل تنفيذ 23337 عملية ترحيل، ومن ضمن أسباب فشل التنفيذ صعوبة العثور وعدم حضور الأشخاص المعنيين في يوم الترحيل.

منذ دخول اتفاقية دبلن حيز التنفيذ، قدمت ألمانيا ما يقرب من نصف مليون “444894” طلبا لإعادة قبول طالبي اللجوء في بلدان أخرى، وتم قبول نحو  46838 طلبا فقط، وفي العام 2022 قدمت ألمانيا نحو 68709 طلب لإعادة قبول طالبي لجوء إلى دول أخرى، وهو رقم قياسي في عدد طلبات القبول منذ 2014، إذ يزيد بنحو 62.5 بالمائة مقارنة بعام 2021، الذي تقدمت فيه ألمانيا بنحو 10427 طلبا لإعادة قبول طالبي لجوء إلى اليونان، وتم قبول إعادة لاجئ واحد فقط، في حين تم تقديم 6623 طلبا لاستعادة إيطاليا لطالبي اللجوء، ولم يتم قبول سوى 287 طلبا، تم قبول ترحيل أصحابهم إلى.

لكن عدد الأشخاص الذين تمت إعادتهم في العام الماضي 2022 بلغ نحو 4158، أي ما نسبته 6.5 بالمئة فقط، وهي أقل نسبة منذ عام 2014.

أما في العام 2018، فقد تم فيه قبول 16.8 بالمئة من طلبات الإعادة، بينما بلغ نحو 17.2 بالمائة في عام 2019، وكان معدل الإعادة إلى اليونان وإيطاليا الأكثر انخفاضاً.

من خلال هذه الأرقام، نجد أن اتفاقية دبلن لم تنجح كثيرا في التنفيذ على أرض الواقع، لكنها مع ذلك مازالت سيفا مسلطا على رقاب طالبي اللجوء.

اتفاقية دبلن تم تعليق العمل بها مرتين.. المرة الأولى كانت في خريف 2015، عندما علقت الحكومة الاتحادية تطبيق اتفاقية دبلن بسبب أزمة المهاجرين في المجر، والمرة الثانية عام 2020 عام كورونا، حيث أوقف المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين جميع عمليات الترحيل.

لا حل أمام الاتحاد الأوربي حاليا سوى التخطيط مستقبلا لتبني سياسات أكثر إنسانية في التعامل مع طالبي اللجوء، لسيادة قوانين أكثر تسامحا، من سيادة بنود اتفاقية تم تعليق العمل ببنودها مرتين، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يدرك أيضا أن الزمن قد تجاوز اتفاقية دبلن، وأن وجودها لن يقلل تدفق المهاجرين إلى أوروبا، لكن التسامح والتساهل في تنفيذ بنودها، قد يكون سببا في استقرار عمالة شابة ماهرة تساهم في إنقاذ اقتصاد القارة العجوز.

Scroll to Top