مغازلة لليمين المتطرف أم دفاعا عن العلمانية؟
حظر العباءة في فرنسا

علي طه

استقبل الفرنسيون العام الدراسي الجديد على وقع جدل سياسي كبير، بسبب قرار وزير التربية والتعليم، جبريال آتال، الأحد 28 أغسطس الماضي، حظر ارتداء “العباءة” في المدارس بوصفها رمزاً دينياً، وهو ما اثار سخط قطاعات واسعة من المسلمين والعرب والافارقة في فرنسان ، حيث اعتبروه استهدافا لهويتهم الثقافية.

وحتى كتابة هذه السطور، ما زالت المعركة مستمرة، وشهدت فصولها تحدي مئات الفتيات للحظر، مرورا بتقديم التماسات قضائية وتنظيم احتجاجات، انتهاء بطرق أبواب الأمم المتحدة، ولكن تراجع الحكومة اليمينية عن القرار يبدو مستحيلا في ظل تأييد 80 بالمئة من الشعب الفرنسي للقرار، مع تصاعد التيارات اليمينية واليمينية المتطرفة، وسيادة الأفكار الشعبوية، وفقا لدراسة حديثة.

وكان وزير التعليم قد صرح، في مقابلة مع قناة “تي إف أ” بأن “ارتياد المدرسة بالعباءة مظهر ديني يرمي إلى اختبار مدى مقاومة الجمهورية، على صعيد ما يجب أن تشكله المدرسة من صَرح علماني… ولا يجوز تمييز ديانة التلاميذ من خلال الزي الذي يرتدونه ، مشدداً على سعيه لوضع “قواعد واضحة على المستوى الوطني” لمديري المدارس أخيراً.

وجاء القرار كما تزعم الحكومة اليمينية، على خلفية معلومات كشفت عنها وزارة التربية تفيد بأن نسبة “الانتهاكات” التي طالت “قانون العلمانية” في المدارس قد بلغت، منذ 2021، 120 بالمئة، معظمها بسبب ما يُسمى بـ”العباءة”، وهي فستان ذو كُم طويل وعريض متداوَل بشدة عند الفتيات المسلمات.

وقد اثار القرار الصادر من مجلس الدولة الفرنسي بتأييد قرار حظر “العباءة” في المدارس الحكومية الجدل بين الاحزاب اليمنية واليسارية حيث اعتبره اليمين، بل وجزء من اليسار، بمثابة رد على “هجوم سياسي” يستهدف العلمانية.

الرئيس ماكرون

وبرر الرئيس الفرنسي ماكرون في تصريحات صحافية، استهداف حكومته للعباءة، التي ترتديها قطاعات عربية وأفريقية وإسلامية، قائلا: “نحن نعيش أيضا في مجتمعنا مع أقلية، مع أشخاص يأتون لتحدي الجمهورية والعلمانية”.

وأضاف ماكرون: “في بعض الأحيان حصل الأسوأ. لا يمكننا التصرف كما لو أنه لم يقع هجوم إرهابي ولم يكن هناك صامويل باتي”.

وفي 16 أكتوبر 2020 قتل أستاذ التاريخ والجغرافيا صامويل باتي (47 عاما) أمام مدرسته في المنطقة الباريسية طعنا بيد الشيشاني عبد الله أنزوروف الذي قطع رأس المعلم قبل أن تتصدى له الشرطة و ترديه.

وقتل هذا الأستاذ بعد أيام من عرضه على تلامذته خلال حصة حول حرية التعبير رسوما كاريكاتورية للنبي محمد. وقال الجهادي في تسجيل صوتي إنه ارتكب فعلته “انتقاما للنبي”.

وتابع الرئيس الفرنسي في معرض شرحه عن مبررات قرار منع العباءة “أنا أقول فحسب إن هذا النظام موجود”.

وأضاف: “لقد حدث ذلك لأن مدرسا كان يعطي درسا عن العلمانية في فصله، ومن ثم حصل هياج على شبكات التواصل الاجتماعي أعقبه إقدام أشخاص على ارتكاب الأسوأ”.

ولكن ماكرون عاد وشدد، “أنا لا أقارن” بين أعمال الإرهاب والزي الذي ترتديه بعض الفتيات المسلمات.

وأضاف: “أنا فقط أقول لك إن مسألة العلمانية في مدرستنا هي مسألة جوهرية”.

اليسار والخضر

بينما استنكرت عددا من الأحزاب اليسارية (الخضر وفرنسا الآبية) قرار وزير التربية، ورأت فيه حرباً عبثية على الدين الإسلامي، ومساسا بالحريات المدنية.

وعبر جان لوك ميلونشون، زعيم كتلة اليسار الراديكالي “فرنسا الأبية”، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، عن حزنه لأن “العلمانية يجب أن تكون عامل سلام وليس عامل انقسام… وما تقوم به الحكومة ليس إلا حرباً دينية سخيفة مصطنعة حول لباس نسوي.”

وفي الاتجاه نفسه، عدّت ماتيلد بانو، زعيمة كتلة نواب “فرنسا الأبية”، في البرلمان أن الوزير الجديد آتال “مهووس بالمسلمين، وتحديداً بالمسلمات… بما أنه ترك كل المشكلات التي يعاني منها قطاع التعليم، كنقص المعلمين وانخفاض مستوى التلاميذ، وركز اهتمامه على الفتيات المسلمات ولباسهن”. وأضافت زميلتها النائبة كليمونتين أوتان أن الوزير الجديد اخترع “شرطة للثياب”.

وقال محامي جمعية “العمل من أجل حقوق المسلمين” فينسان برينغارت إن العباءة يجب أن تعتبر لباسًا تقليديًا وليس ثوبًا دينيًا، واتهم الحكومة الفرنسية بالسعي لتحقيق مكاسب سياسية من خلال الحظر.

كانت الأمم المتحدة قد انتقدت في 30 أب/ أغسطس قرار فرنسا حظر ارتداء العباءة في المدارس الابتدائية والثانوية.
وقالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مارتا هيرتادو إن “المعايير الدولية لحقوق الإنسان تنص على ضرورة عدم فرض قيود على المظاهر المرتبطة بالدين أو المعتقد، بما فيها اختيار الملابس، إلا تحت ظروف محدودة للغاية بما فيها تلك المرتبطة بالسلامة والنظام والصحة أو الأخلاقيات العامة”.

وبالرغم من ذلك صادق مجلس الدولة الفرنسية، على قرار منع ارتداء العباءة في المدارس، رافضا بذلك الطعن المقدم من جمعية “العمل من أجل حقوق المسلمين” (ADM)، وسط اتهامات من قبل جهات حقوقية، للحكومة بممارسة التمييز الثقافي ضد الأقليات.

وقال بيان لمجلس الدولة يوم 8 أيلول /سبتمبر الجاري: “إن ارتداء العباءة يعكس التوجه الديني وبالتالي، فإن الحظر لا يشكل اعتداءً خطيراً وغير قانوني في الحق باحترام الحياة الخاصة، وحرية العبادة، والحق في التعليم بما يتوافق مع مصلحة الطفل العليا”.

ولم تجد طالبة مسلمة، تبلغ 15 عاما سوى طرق أبواب بالأمم المتحدة، وتقدمت بشكوى بشأن تعرضها “للتمييز” بسبب انتمائها الديني، على خلفية طردها من مدرستها لارتدائها الكيمونو، وهو ثوب ياباني لجأت لارتدائه الطالبات المحجبات بعد حظر العباءة، لكونه فضفاضا.

وأرسلت ابنة الـ 15 عاما المقيمة في مدينة ليون، شكوى إلى أشويني كي. بي، المقررة الخاصة الأممية المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب، بشأن “التمييز الذي تعرضت له على أساس انتمائها الديني”.

كانت مئات الفتيات قد تحدين قرار منع العباءة في المدارس وحضرن صباح أول يوم تعليم بهذا اللباس، وتمت إعادتهن الى منازلهن.

وتجدر الإشارة أن فرنسا سلكت طريق الفصل بين الدين والدولة مع قانون العلمانية عام 1905، وحظرت ارتداء الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة لأول مرة عام 1989، ولكن في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ذاته، قررت المحكمة الإدارية العليا أن حمل أو ارتداء الطلاب رموزًا تكشف عن انتمائهم الديني “لا ينتهك العلمانية”.

ومع بقاء مسألة الحجاب موضع جدال في البلاد لسنوات طويلة، صدر عام 2004 قرارًا بحظر ارتداء الرموز الدينية في المدارس الحكومية، الذي يحظر ارتداء العلامات أو الملابس التي تظهر الانتماء الديني، يسمح للطلاب المخالفين بدخول المدرسة لا الصف، على أن يجري حوار بين الأسرة ووزارة التربية.

وهذا يشمل الصلبان المسيحية والقلنسوة اليهودية والحجاب الاسلامي. لكن خلافا للحجاب لم تكن العباءة محددة بشكل واضح ضمن هذا القانون، وعام 2010، حظرت فرنسا ارتداء الملابس التي تغطي الوجه بالكامل مثل البرقع والنقاب في الأماكن العامة.

والواقع أن الجدل حول ارتداء العباءة ليس الأول من نوعه إبان ولاية الرئيس ماكرون، بل سبقه قانون أثار كثيراً من الجدل أيضاً، هو قانون “مناهضة الانفصالية” أو “التيارات الانعزالية”.

وهذا القانون عرضه وزير الداخلية جيرالد درمانان ابتداءً من أكتوبر /تشرين الأول 2020، ثم تبناه أعضاء الجمعية الوطنية في فرنسا بشكل نهائي في يوليو/ تموز 2021.

اليوم يُعرف هذا القانون رسمياً بـ “قانون تعزيز مبادئ الجمهورية”، وجرى التعريف به أول مرة باسم “مكافحة الإسلام الانفصالي”.

ويومذاك طرحه درمانان على أنه القانون الذي “يقدم ردوداً ملموسة على الانعزال المرتكز على الهوية، وعلى انتشار التطرف الإسلامي، الذي يمثل أيديولوجيا معادية للمبادئ والقيم المؤسسة للجمهورية”.

بيد أن المعارضين، لا سيما من اليسار، رأوا في هذا القانون استهدافاً للمسلمين ورؤية ضيقة للعلمانية. ومع هذا بررت الحكومة الفرنسية، في حينه، طرح المشروع بأنه “يعزز قيَم الجمهورية العلمانية”، تماماً كما بررت أخيراً قرار حظر ارتداء العباءة، واعتبرت أن ارتداءها “يهدد علمانية الدولة.”

واعتبر كثيرون “قانون تعزيز مبادئ الجمهورية” تطوراً خطيراً، لكونه يقضي بتجريم المسلمين الذين يخالفون قوانين الجمهورية بعقوبة سجن 5 سنوات، وغرامات مالية قد تصل إلى 75 ألف يورو لكل مَن يهدد أو يعتدي على مسؤول أو موظف.

وذهبت آني جنفار، وهي نائبة عن اليمين، إلى حد اقتراح إدراج الرقصات الشعبية المغاربية والأفريقية وحمل الأعلام الأجنبية في الأفراح ضمن قائمة لائحة المحظورات التي قد يعاقب عليها “قانون مناهضة الانعزالية الإسلامية.”

وأيضاً كشف موقع “ميديا بارت” الإخباري المستقل أن هذا القانون تسبب في وقف نشاطات عدة جمعيات خيرية ومحلات يديرها المسلمون، إضافة إلى إغلاق عدة مدارس قرآنية ومساجد، كما أخضعت آلاف المؤسسات الإسلامية للتحقيق، وأغلق نحو 900 منها، بالإضافة إلى مصادرة أكثر من 55 مليون يورو.

وفي هذا السياق، يقول الباحث جوزيف مسعد، إن “أزمة فرنسا مع الإسلام هي إرث 200 سنة من الوحشية الاستعمارية. وهي تقليدٌ فرنسي علماني مُتعارف عليه بين الفرنسيين منذ قديم الزمان”.

وتظهر مقارنة بسيطة بين فرنسا و”جاراتها” من الديمقراطيات الغربية مدى الاختلاف والتنوع والتعارض مع الدول الأوروبية الذي تعيش فيه جاليات مسلمة كبيرة. ولعل الاختلاف يظهر بصورة واضحة في النموذج الأنجلوسكسوني، الذي يعترف بالكنيسة، لكنه لا يحظر الرموز الدينية في الفضاء العام أو الخاص.

حتى في إسبانيا، فإن “قانون 2010” الذي أرسى فيها مبدأ العلمانية يمنع استعمال الصليب في المدارس، لكن وزارة التربية لا تفرض أي قوانين، بل تترك للأقاليم الحرية في تنظيم شؤون سكانها. ونظراً للتقليد الديني القوي للإسبانيين وانتشار الكنائس، فالجدل المتعلق بالممارسات الدينية شبه غائب.

ومن جهة ثانية، فإن ألمانيا، بالنظر إلى تاريخها المعاصر، بلد حريص على احترام الأقليات، وليس هناك فصل بين الكنيسة والدولة، مقابل أن للأقليات الدينية الحقَّ في الطعن في أي قرار تراه تعسفياً.

أما في السويد، فكل الرموز الدينية مُباحة في الحيز العام والخاص وفقاً لقانون يضمنه دستور البلاد..

وغير بعيد عن السويد، تمنع الدنمارك تغطية الوجه بارتداء البرقع منذ 2018، وتفرض غرامة مالية على كل مَن يخالف هذا القانون.

وفي النرويج وفنلندا البرقع محظور، علماً بأن الرابطة الوطنية لكرة القدم تمنح للفتيات المسلمات حجاباً رياضياً لتشجيعهنّ على ممارسة الرياضة.

ومن جملة الانتقادات التي وُجهت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد ما أقر بأن “المسلمين يعيشون في عزلة قد تهدد مبدأ العلمانية”، فكرة أن السلطات الفرنسية هي من وضعت هذه الجاليات في عزلة.

وأليست هي من استقطبت الجاليات المغاربية والأفريقية للعمل في مناجم الفحم ومصانع السيارات، ووضعتهم في “جيتوهات” بضواحي المدن حريصةً على عدم اختلاطهم بالأوروبيين البيض؟

والأدهى، كما يلاحظ المراقبون، أن فرنسا لم تر أن هذه الجالية قد توسعت وأصبح لها اليوم ثقل بشري واقتصادي مهم، بأجيال ثانية وثالثة من الهجرة يملكون، خلافاً لآبائهم، ثقافة مزدوجة، وأن هؤلاء متمسكون بمعتقداتهم الدينية، وأيضاً بالموطن الذي نشأوا فيه (أي فرنسا).

بل، ربما لوحظ، كما يرى البعض، أن محاربة الإسلام أضحت خزاناً انتخابياً للسياسيين والمرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية؛ إذ يصار في كل مرة إلى احتلال الفضاء الإعلامي بالكلام المبالغ فيه عن الإسلام والهجرة، من أجل تخويف الفرنسيين وكسب الأصوات في الانتخابات.

ولذا فإن إشكالية حظر العباءة في المدارس، ليست إلا أحدث مثال على السياسيين الذين يتوددون إلى اليمين المتطرف، عبر التلويح بالتشدد ضد الإسلام في بيئة سياسية شعبوية على حساب الأقلية المسلمة، وهو أمر أكدته كثير من الدراسات، آخرها من إنجاز معهد “إبسوس” الذي كشف فيها أن 80 في المائة من الفرنسين يؤيدون قرار وزير التربية بحظر العباءة في المدارس، بمن فيهم الفرنسيون ذوو الخلفيات اليسارية، حيث إن 65 في المائة منهم يؤيدون القرار أيضاً.

والواقع أنه لا الثقل البشري والاقتصادي للجالية المسلمة، حوالي 10 بالمئة من السكان، ولا محاولات التنظيم، التي بادرت بها بعض الحكومات، استطاعت أن تخرج الجالية المسلمة، خصوصاً الشمال أفريقية، من دائرة الوصم والتهميش التي تتخبط فيها منذ عقود، وهو الأمر المرشح للتصاعد في الفترة المقبلة، في ظل الصعود الكبير لليمين المتطرف في البلاد.

 

كتب في 26 سبتمبر 2023.

Scroll to Top